هلال بن محسن الصابي

352

الوزراء

أبو الحسن علىّ بن عيسى يجعل في كلّ باب من ورائه مسورة ويسبل عليها سترا طويلا يغطّيها ، فإذا جلس في أخريات النهار مجلسا حافلا ألصق بها ظهره من وراء السّتر لئلا يشاهد مستندا ، تمسّكا بالوقار . وقيل : إنه ما رئى قطّ متبذّلا في مجلسه ، ولا متخفّفا في ملبسه ، ولا فارق الدرّاعة « 1 » [ إلا ] والقميص من دونها ، والمبطّنة من دونه و [ لا ] الخفّ في أكثر أوقاته إلّا إذا أوى إلى فراشه أو قعد مع حرمه . وقد فعل أبو الحسن علىّ بن عيسى مع أبي علىّ بن مقلة مشبها بما فعله مع أبي عيسى أخي أبى صخرة ، وذلك أنه بلغه عمل المقتدر باللّه على صرفه بأبى علىّ - وكان متقلّدا له إذ ذاك على عدّة دواوين - فاستدعاه وطالبه بأعمال يعملها له ، فوعده بها . وحضر مجلسه بعد أيام فاعتمد الغضّ منه بأن قال له على ملإ من الناس : كنت التمست منك أعمالا فأخّرتها ، فإن كنت عاجزا عنها وغير ناهض بها فاصدق عن نفسك . فقال أبو علىّ : قد أحضرتها وها هي . ووضعها بين يديه وأخذ يقرؤها ويواقفه على غلط بعد غلط فيها ، ويقبل على مشايخ الكتاب فيعجّبهم من ضعف صناعته وقلّة بصيرته ، حتى قال له في بعض القول : هذه حياكة لا كتابة . وضرب على عمل ، بعد عمل ورسم في تضاعيفه ما يجب أن يبنى عليه نظمه وترتيبه ، والكتّاب الحاضرون يثنون عليه بحسن الكفاية ، ويغمزون على أبى علىّ بضعف المعرفة . ثم رمى بها إليه وقال له : قم فاعملها على هذا المثال وحرّرها وجئنى بها ، فقام يجرّ رجليه . فلما ولّى قال أبو الحسن : إن أمرا عجز عنه ابن الفرات ونحن فيه مرتبكون ، ويدّعى هذا القيام به لأمر عجيب ، فما مضى على هذا المجلس أربعة أو خمسة إياه حتى قبض على أبى الحسن علىّ بن عيسى

--> ( 1 ) الدراعة : جبة مشقوقة المقدم .